|
خير الكلام... اللاكلام
رندة زريق سمعان * الاتحاد- الثلاثاء 19/4/2005
حين تُمسك قلمك لتكتب عن عمل فني شاهدته، فهذا يعني انه حرك فيك شعورا، فكرا او حتى موقفا معينا، يعني انه لامس شغاف احاسيسك واسعدك بشجن النشوة او نشوة الشجن، نظرا للموضوع. حين تُمسك قلمك لتكتب عن عمل فني شاهدته فهذا يعني انه ضغط على احد اوتارك الحساسة.. يعني انه عكس صورًا او طرح جزئية من واقع تعيشه كمجتمع.. تتعايش معه كأفراد.. او نرفضه كبشر رغم التعود عليه. اصبح نهجا لدي منذ سنوات ان اكتب عن الاعمال الفنية عامة والمسرحية خاصة لدرجة بت اُدعى لمعظمها لاكتب عنها، وهو ما يسعدني ويشعرني بالرضا.. لكن ما حدث في الايام الثلاثة مهرجان المسرح الايمائي في شفاعمرو كان اكثر من مجرد تحريك مشاعر وافكار. كانت حالة من الفرح التي سيطرت على المتلقين لدرجة حولتهم لشركاء في العرض بكل الاساليب المتعارف وغير المعارف عليها. كان لهذا الكلام الصامت وقع عظيم، كان لهذا الصمت المتكلم تأثير في النفوس، العقول والقلوب، وهنا لا بد من كلمة شكر وتقدير للمبادرين والقيمين على هذا المهرجان ليس فقط لتميزه وانما لحالة الفرح التي اهدونا اياها ونحن في امس الحاجة اليها، فرتابة ايامنا – تراكض ساعاتنا.. وتيرة افكارنا الروتينية حولتنا الى عناصر خاملة محبطة، فجاء هذا الحدث لينقلنا من الكآبة الى الفرح الذي ارجو الا يكون مؤقتا سريع الزوال، جاء لينقلنا من العبوس الذي يملأ وجوهنا وقلوبنا الى الابتسام والضحك.. جاء ليبعدنا ولو قليلا عن غربة ذواتنا بان قربنا اليها وجعلنا نلمسها لنتعرف على جزء من اسبابها، وهكذا ورغم تحول غربتنا الغريبة لاكثر تركيبا، نعم، لكن اقل تعقيدا واقل وقعا سلبيا علينا. مما قد يساعدنا بالتالي. كما في كل المهرجانات المسرحية تعددت المشاركات وتفاوتت في الطرح كما في الاداء، فلكل اسلوب ولكل فكره حاول ايصالها الينا، وهكذا كان وقع الاعمال المختلفة مختلفا علينا فتراوحت ردود افعالنا بين الابتسام الضحك، التصفيق، الموافقة، العبوس وعقد الحاجبين محاولة ان يشرح احدنا للآخر ما وراء بعض المشاهد وغيرها من الظواهر كان قاسمها المشترك دغدغة المشاعر وفتح الافق. وكما قال مدير "الفن للشعب" في حفل الافتتاح: اينما يوجد اناس حالمون ستحدث اشياء جميلة وهذا ما كان فعلا فقد تحقق حلم الفنان سعيد سلامة واحدث هذه الحالة الجميلة التي رغم خوف البعض الا نتمكن من هضمها، الا اننا فعلنا بكل رقي واثبتنا اننا ورغم كوننا امة تحب الخطابة والثرثرة والسجع قادرون على التكامل الثقافي كما قال الاديب سلمان ناطور، فكما نقدر على تذوق الفن التشكيلي والموسيقى الكلاسيكية فقادرون ايضا على تلقي الفن الايمائي والابداع فيه، والاهم من ذلك استضافة الفنانين اليهود والاجانب الذين قدموا الينا مما يفتح الاكانيات ويمد الجسور بين الشعوب من خلال الفن الذي كان وسيبقى ارقى اساليب التواصل والتعبير وليثبت الفن الايمائي انه من اكثرها تأثيرا ومصداقية، فعلى سبيل المثال لا الحصر لا اظن عملا ناطقا يقدر على اشعارك بالحزن بسبب الاسر والغبطة بعد التحرر كما فعل احد العروض، كما لن ينجح أي مشهد ناطق باسعادك والارتقاء بروحك كما فعل مقطع شجرة القلوب التي نمت بعد دفن القلب المعذب، او قطف هذه القلوب عن الشجرة وتوزيعها على الجمهور فكان له وقع السحر علينا. قصة الحب بين الوردتين التي جُسدت بالايدي كانت باهرة ورائعة والعلاقة ربطت السيد والسيدة "O" سمت بمشاعرنا حتى المنتهى. ولا انسى - اعطني المزيد يا سامانتا فقد ضحكت في اثناء هذا العرض كما لم اضحك منذ مدة طويلة، وجاء الفريق الايطالي وتجربة الفضاء مثيرة لطيفة ومشاهد العنف واللاعنف ذات رسالة ومدلول. ماذا لم يقدم لنا هذا المهرجان؟ قدم لنا الحب ، المشاعر الانسانية، المحبة، لا للعنف، ولا للحرب، مشاهد لطيفة هدفها رسم البسمة على شفاهنا، والتعرف على تقنيات هذا الفن وكيف يمكن لحركة صغيرة او تغيير بسيط في الوجه ان يقلب الصورة. تحية تقدير للفنان سعيد سلامة ولقدراته الفنية المتميزة الذي اثبت من خلالها اننا لسنا اقل من الشعوب الاخرى، وباقامة هذا المهرجان على اننا مجتمع قادر ليس فقط على الحلم بل على التخطيط لتحقيقه وعلى تنفيذه ايضا. لم يكن مستغربا بعد هذا النجاح النسبي للمهرجان وبعد كل ما حمله لنا واهدانا اياه من مشاعر صادقة جياشة ان يتحول في نهاية حفل الاختتام الى تظاهرة وطنية لبى من خلالها الجمهور دعوة الفنان زاهد حرش بغناء بلادي بلادي التي ترددت في قلب وعلى لسان الصغير والكبير في القاعة، وان دل ذلك على شيء انما يدل على محافظة الفن على موقعه وتأثيره في تأجيج المشاعر وصقلها واعادة الانتماء للوطن، الانسانية والحرية من جهة ومد جسور السلام والتآخي بين بني البشر جميعا. لكن تبقى الغصة في حلوقنا لرغبتنا بتمكن فنانين من الدول العربية والضفة وغزة بالقدوم للمشاركة في مثل هذه المهرجانات مع بقاء التساؤل هل نرحب بذلك فعلا ام سنعتبرهم مطبعين فنتراجع عن هذه الرغبة او الامنية في سبيل امور اخرى اعظم واهم؟! على كل، حبذا لو نحاول الاصغاء للغة الجسد لغة العيون والقلوب، وحبذا لو نصغي ايضا لما يقال وما يكتب بشكل عام والا نثقل كاهلنا بالتفسيرات الانانية ذات المدلولات السلبية المؤذية. اسمحوا لي ان اكتفي بهذه المقالة بملاحظاتي الايجابية للتدعيم والشكر على ان اوصل ملاحظاتي الاخرى لادارة المهرجان مباشرة بهدف التعلم من بعض الاخطاء الصغيرة وعدم تكرارها في الدورات القادمة هذا ان سمحت لي الادارة بذلك. شكرا لكم على هذا التجديد الذي ساعدنا على التجدد. شكرا لكم على هذا الفرح اللذيذ. وشكرا لكم على ان علمتمونا بان خير الكلام... اللاكلام... لكن ليس دائما.
(عيلبون)
|